تأملات يُوسُفيَّة (3)
الخميس, فبراير 4, 2010 21:53
# أسرّوه وأسروه
{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف : 19]
هناك قراءتان للآية الكريمة، أسرّوه (من الإسرار والإخفاء) وأسروه (من الأسر) وكل منهما تتسق مع بقية الآية.
1. فحين وجدوا على سيدنا يوسف، فإما أنهم أخذوه بالحيلة وأوهموه مثلا أنهم سيعدونه إلى أهله، فهو كان غلاما وليس صبيا صغيرا، ومن المنطقي أن يحاول أن يفر لو أحس بسوء نيّات منهم. ولهذا قال الله تعالى “والله عليم بما يعملون” أي بأخذهم إياه بالحيلة، وأنهم يسرون في أنفسهم أمر بيعه.
2. أما الثانية، فهي أنهم أعلنوا صراحة أنهم سيحولونه إلى رقيق، ووضعوه أمام الأمر الواقع، وهنا أيضا الله عليم بما يعملون، فكيف تسول لهم أنفسهم فعل ذلك، وكانت النخوة تفرض عليهم أن يكرموه ويردوه إلى أهله، أو يتركوه لحال سبيله لا أن يستعبدوه.
فسبحان العليم.
-
# وكانوا فيه من الزاهدين
{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف : 20]
السؤال، لم عساهم يبيعون غلاما جميلا بدراهم معدودة؟
ربما لأنه “بضاعة مهرّبة”، قد يظهر أهله في أي وقت، ويريدون “تصريف” البضاعة بأي شكل حتى لو كان على حساب الربح؟
أو لعل قانون مصر آنذاك كان يمنع أن يُسترق أحد بهذه الصورة، فأرادو بيعه بأسرع فرصة والهرب، فهم سيّارة وليسوا مقيمين هناك، فرضوا بثمن بخس كيلا تطول المدة ويكشف يوسف السر ويقص قصته على أحد.
أو ربما أن سيدنا يوسف كان فصيحا وذكيا، وليس طفلا منقادا أو يمكن أن يخدع بسهولة، ولهذا باعوه بسرعة وبثمن بخس. ويعزز هذا أن الذي اشتراه أحس منه ذلك، ولهذا توقع منه النفع، بل واقترح على زوجته اتخاذه ولدا وتبنيه لما أحسه منه من الألمعية والنباهة وليس فقط من الجمال، فالأطفال جميلو الشكل قد يكونون مدللن مزعجين نرجسيين، لكن ما لفت نظر العزيز إلى يوسف عليه السلام هو نباهته.
-
# موقف النسوة الأخريات؟
1. {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }[يوسف : 31]
2. {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف : 32]
3. {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف : 33]
4. {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف : 51]
1. أتساءل ما موقف صاحبات امرأة العزيز؟ هل راودن يوسف أيضا عن نفسه؟ قد يصح هذا الافتراض، فصويحباتها على دينها “المرء على دين خليله” كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. والدليل أيضا قول يوسف عليه السلام “يدعونني إليه” و”كيدهن” وقول الملك أو رسوله “راودتن”.
وحين واجههن الملك بالأمر، اقررن بعفة يوسف وأنه لم يستجب لهن. ويبدو أنهن سكتن عن السؤال الأساسي {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} فلم يعتذرن بجمال يوسف مثلا أو ألقين اللوم على امرأة العزيز، بل أول ما نطقن به هو براءته عليه السلام ونسين حتى أن يبرئن أنفسهن أو يعتذرن، ربما لأنهن عرفن بسوء السمعة، فالتعذر بفتهن غير وارد، فارتأين الدفاع بإبراز عفة يوسف عليه السلام.
2. أم تراهن لم يراودن يوسف عن نفسه، لكنهن وجدن العذر لامرأة العزيز فيما فعلت، ولم يعدن يستنكرن الأمر عليها؟
3. أم أنهن لم يراودنه، لكنهن شجعن امرأة العزيز على ما تفعل، وهذا نوع من مشاركتهن المراودة. أو لعلهن طلبن إليه الامتثال لها؟
ما رأيكم؟
-
# حفيظ عليم
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}[يوسف : 55]
لخّص سيدنا يوسف في هذه الآية شروط تولي المناصب: العلم (الكفاءة) والحِفظ أي الإخلاص والتخلي بأخلاقيات العمل.
-
وختاما،
# إهداء إلى عميد الأدب!
إهداء إلى طه حسين وإتباعه من المتيّمين بـ”في الشعر الجاهلي“:
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف : 111]


Like